المقدمة الاهتمام بموضوع السلامة المرورية بصورة عامة والوقاية من حوادث المرور بصورة خاصة يعد من الموضوعات الحديثة على المجتمعات العربية وفي حقيقة الأمر فإن التزايد المفرط من الحوادث المرورية هو الذي كان وراء الاهتمام بهذا الموضوع وبخاصة النتائج السلبية المترتبة عليه, سواء كان ذلك فيما يخلفه من ضحايا ومصابين، أو فيما تخلفه من نتائج نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية، سلبية على كل من الفرد والمجتمع. ليس من المبالغ فيه أن نقول إن حوادث المرور في المجتمعات العربية أصبحت )تنافس( الأمراض والأوبئة كمسببات للوفيات، وهذا إن لم يكن كذلك في جميع المجتمعات العربية فعلى الأقل في بعض منها وفي المقابل ما زال يلاحظ، ضعفاً في الاهتمام بهذا الموضوع، أو الأصح بهذه المشكلة من طرف وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها، وحتى من طرف المسئولين، أو المختصين, مع أن الأمر يتطلب عكس ذلك, ونعتقد أن هذا الوضع حان الوقت لتغييره. ومن الواضح أن الاهتمام, والتعامل مع الحوادث المرورية لدى شعوب العالم تختلف باختلاف درجة تطورها وتقدمها, ودرجة الاهتمام بمواطنيها. فإذا نظرنا مثلا إلى ما هو عليه الحال في مجال الحوادث المرورية عبر العالم، نجد أن حوادث المرور .) في الدول النامية، تزيد بمقدار عشرين إلى ثلاثين مرة في الدول النامية، عنها في الدول المتطورة) 1 وأن الدول الأسكندنافية )فنلندة السويد الدنمارك، النرويج، إيسلندة(. لديها أقل من نصف .) معدلات حوادث المرور، نسبة إلى الدول الأوروبية الأخرى) *، 2 إلا أن الاهتمام بالسلامة المرورية على العموم، والاهتمام بالوقاية من حوادث المرور، في الكثير من الدول النامية معدوم، أو شبه معدوم، بينما هو كبير جداً في الدول المتطورة، وبالغ الأهمية في الدول 1( طالب، أحسن، الدراسات التحليلية لحوادث المرور المؤدية للإصابة الجسدية، مركز الدراسات والبحوث جامعة نايف ( . العربية للعلوم الأمنية ، الرياض، 1994 م، ص 2 )*( الدول الأوروبية المقصودة هي دول أوروبا الغربية )سابقاً( (2) observatoiré National Interministerial de la sécurité Routiere – 1992 ¨Grands themes de la sécurité Routiere¨, in Documentation Française, Paris. 1552. p. 8. الأسكندنافية، وعلى رأسها النرويج والسويد، وهي من الدول التي لديها أقل معدل ضحايا حوادث المرور في العالم، بمتوسط عدد السكان وعدد المركبات. والوقاية من حوادث المرور، مثل السلامة المرورية، لا تأتي من فراغ أو بالصدفة بل هي نتيجة للأبحاث والدراسات الميدانية المضنية والشاقة والمتواصلة، طوال سنين عديدة، حتى تحول إلى تدابير، ميدانية فعلية، تكون عامل خير وسلامة على المجتمع وعلى السائقين والمشاة, والمواطنين بصورة عامة. مثل هذه الأبحاث والدراسات والندوات واللقاءات العلمية المتخصصة، يجب أن تكون هي الأساس الذي يعتمد عليه في اتخاذ التدابير الوقائية وفي اعتماد السياسة المرورية في أي مجتمع كان، كما هو الحال في الميادين الأخرى، إذا ما أردنا تحقيق الأهداف الاجتماعية بطريقة سليمة وعقلانية وفعالة. 1 حوادث المرور في العالم .1 توجد في العالم اليوم أكثر من ثماني مئة وخمسين مليون مركبة) *( تجوب مختلف شوارع وطرقات العالم، وتزداد، بمقدار 10 % سنوياً، في مقابل نحو ستة ) 6( مليارات من البشر) 1( هم سكان كوكب الأرض، وهو ما يعني أن ارتفاع عدد المركبات عبر العالم يزيد على ارتفاع سكان كوكب الأرض، كما أن المركبات التي تجوب طرقات وشوارع العالم أدت في المتوسط )سنة 2004 م( إلى نحو مليون ومائتي ألف ضحية لحوادث المرور ونحو ثلاثة ونصف مليون. إصابة وفي سنة 2009 م) 2(، كانت الدول الأكثر معاناة من حوادث المرور حسب ما أوردته يومية الرياض) 3( السعودية كالتالي: 1 أثيوبيا 2 تنزانيا 3 ليسوتو 4 كينيا 5 كولومبيا 6 الكاميرون 7 بنغلادش 8 سوريا 9 البيرو 10 كازاخستان وأما من حيث عدد الإصابات لكل مئة ألف وست مئة فكان الترتيب كالتالي: 1 ماليزيا 2 كوريا 3 لاتفيا 4 السعودية 5 كولومبيا 6 نيوزلندة 7 الأرجنتين 8 كازاخستان 9 ليستو 10 الولايات المتحدة الأمريكية)*()**(. على القائمة السوداء سواء كان ذلك فيما » تسيطر « ويتضح من المعطيات المذكورة أن الدول النامية يتعلق بالعدد الإجمالي لحوادث المرور، أو بعدد الإصابات الجسدية التي تخلفها حوادث المرور، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن القائمة السوداء لحوادث المرور تتضمن دولتين عربيتين، وهما المملكة العربية السعودية، والجمهورية العربية السورية، هذا رغم أن المعطيات العربية المتعلقة بحوادث المرور، كما هو الحال بالمعطيات المتعلقة بمتوسط الجريمة أو معدل الجريمة، عليها الكثير من الملاحظات في اعتقادنا )*(الولايات المتحدة الأمريكية يوجد بها أكبر عدد من المركبات في العالم ويعادل تقريباً عدد السكان حوالي ثلاثة مئة مليون وبالرغم من ذلك فإن عدد قتلى حوادث المرورية هو نحو أربعين ألفاً سنوياً، بينما عدد المركبات في الجزائر يتعدى خمسة ملايين بقليل 2009 م، وسكانها نحو خمسة وثلاثين مليون ، وعدد قتلى حوادث المرور في سنة 2008 م، كان نحو أربعة 10 عدد قتلى الولايات المتحدة الأمريكية. / ألاف قتيل، وهو ما يساوي عشر 1 world the publicationsr ) )**( عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية كان في سنة 2008 م ) 303.824.640 http://www.cia.gov/Library html.US/print/faccbook 4 من حيث إنها، لا تظهر بالضرورة المعطيات الحقيقية لحوادث المرور، كما أنها لا تبين بالضرورة المعطيات الحقيقية للجرائم التي تحصل في المجتمعات العربية، أو على الأقل في بعض من المجتمعات العربية، والدليل على ذلك هو أن حوادث المرور في المجتمعات العربية، تشكل السبب الثالث للوفيات، حسب ما ذكره )البصول, محمد أنور() 1، *( إلا أن المعطيات الرسمية المقدمة لا تظهر ذلك. إلى أن حوادث السيارات عبر العالم )GABRIELSON. C( ويشير الباحث النرويجي قابيرياليسون تؤدي إلى وفات مليون ومئتي ألف نسمة كل سنة تقريباً، وإصابة خمسين مليوناً، )إصابات جسدية( وأن %86 ست وثمان في المئة منها تحصل في الدول النامية) 2( وعليه فهو يشير إلى أن حركة المرور في الدول .)2(»Traffic in developing countries is becoming a disaster« النامية أصبحت عبارة عن كارثة ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم بحلول سنة 2030 م وأن الزيادة المتوقعة في عدد المركبات عبر العالم سوف تحصل في الأساس في الدول النامية. والمشكلة تكمن في أن تزايد عدد المركبات في الدول النامية، لا يصاحبه تطور، أو مواكبة، في البناء وهو ما يخلق ضغطاً كبيراً على الطرقات والشوارع في النسيج الحضري في )infrastructure( القاعدي .)3()Gabrielson( الدول النامية وهو ما يؤدي بدوره إلى الكارثة التي تكلم عنها، قابريالسون وإن الزيادة في عدد المركبات في الدول النامية مرتبطة أساساً بالزيادة السكانية في المدن الحضرية على حساب القرى والريف، وذلك ناتج عن الهجرة القوية من الريف، والبادية إلى المدن الحضرية، دون أن تكون هذه الأخيرة، مجهزة لاستقبال العدد الهائل من المهاجرين الجدد ومركباتهم. )الوضع الكارثي( لحوادث المرور في دول العالم وتحديداً في الدول النامية، يؤدي إلى وفات، ما يقارب المئة ألف نسمة كل شهر )معظمها في الدول النامية(، ومن هؤلاء، نجد أن خمساً وثمانين في المائة .) منهم من الأطفال وأن ستاً وتسعين في المائة من الضحايا الأطفال) 4 1( البصول محمد أنور حوار خاص، حول )الحوادث المرورية في العالم العربي( مجلة الأمن والحياة، العدد 257 ، شوال، ( . 1424 ه، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، ص 41 )*( البصول, محمد أنور هو لواء شرطة متقاعد, ويعمل حالياً في مركز الدراسات الإستراتيجية في دولة الإمارات العربية المتحدة (2) GABRIELSEN, Carl, chr. «Global Traffic Safety» in NORDIC, Road and Transport Research, Review No. 21 2008 p. 14. (3)Ibid (4) Gabrielsen, op. cit, p. 14.