بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية مركز الدراسات و البحوث إعـــداد: العميـد الركن : الهـاشمـي بوطـالبـي مـدير عام للمركز الوطني للوقاية والأمن عبر الطرق بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم محتـويـات أولا: مـقــدمــة: ثانيا: خلفيات الإزدحام: 1- تمركـز أهـم المؤسـسات و الشـركات داخـل المدن. 2- نقـص في المنشآت القاعـدية. 3- نقـص فـي تنـظيـم المـرور. 4- إنعـدام محـطـات الـربــط. 5- عجـز في النقـل الجمـاعـي. 6- نزوح السكان نحو المدن الكبرى. ثالثا: آثـار الازدحام: 1- الإضرار بالصحة العامة للسكان. 2- التأثير على السلامـة المرورية. 3- تلـويـث البيـئـة. 4- تعطيل مصالح الناس. 5- الخسائـر المـادية. رابعا: خــاتـمـة: أولا: مـقـدمـة: إن إزدحام المـرور مشكلة تعانـي منها جـل الحواضر الكبرى في العالم، و في عالمنا العربي بصفة خاصة، و هو ظاهرة تؤثر تأثيرا سلبيا على تنقل الأفراد و على حالتهم النفسية و مردودهم في العمل إلى غير ذلك من السلبيات و الآثار التي تعكر صفو مدننا. فجلّ المدن الكبـرى فـي العالـم العربـي ترزح تحت هذه الظاهرة مثل مدينة القاهرة و مدينة الجزائر و الرياض و دبي و الدار البيضاء. و لهذا الإكتضاظ و الازدحام خلفيات و عـوامل شتـى، و هي تكاد تكون متشابهة، إن لم تكن متطابقة، فما هي هذه العوامل و الأسباب؟ و كيف تعيق سيولة المرور و تسبب اكتظاظا خانقا؟ لاسيما في أوقات الذروة؟. و ما هـي آثار هـذه الظاهـرة على الفـرد و المجتمـع؟ و على الإقتصاد و البيئة؟. ذلكم ما سأتعرض لمعالجته في هذا البحث بشيء من الإختصار، مركزا على أمثلة واقعية من بعض المدن الكبرى في العالم العربي. ثانيا: خلفيات الإزدحام: إن لظاهرة الازدحام فـي المدن عـدة أسباب و عوامل، و هـي: 1- تمركز مختلف المؤسسات داخل المدن: من أهم العوامل التي تزيد من حدة الاكتظاظ في المدن هو تمركز جل مقرات المؤسسات الإدارية و التربوية و الصحية في قلب المدن، مثل مقرات الوزارات و الشركات و كذا الجامعات و الثانويات و المستشفيات و المصحات. و هذا ما يجلب إليها عددا كبيرا من الوافدين الذين يزيدون في عدد المتنقلين عبر الشوارع، و أغلبهم يستعملون سياراتهم الخاصة. 2- نقص في المنشآت القاعدية: معظم المدن العربية تعاني إختلال بين المنشآت القاعدية و متطلبات المرور التي تتزايد باستمرار تبعا لزيادة السكان و تزايد عدد المركبات و كذا تنامي الحاجة إلى كثرة إستعمال هذه المركبات بفعل الانتعاش الاقتصادي الذي تشهده بعض البلدان العربية، و الذي يستلزم تنقل الأفراد باستمرار. فمثلا مدينة الجزائر العاصمة عرفت زيادة في نسبة التنقلات داخلها بين السنين 1990 و 2004، تقدر بزهاء 40%. و عدد المركبات التي تفد إليها مـن المدن الأخـرى يوميا، ارتفع من 35.000 إلى 162.000 مركبة. و حسب دراسة ميدانية حديثة فإن عدد المركبات التي تدخل إلى مدينة الجزائر خلال فترة الذروة، بين الساعة السابعة و الثامنة صباحا، يفوق 30.000 مركبة، زيادة على عدد المركبات الموجودة داخلهـا و التـي تقـدر حسب إحصاءات بدايـة هـذه السنة، بأكثر من 1.400.000 (مليون و أربعمائة ألف) مركبة. و هذا العجز الذي تعاني منه المنشآت القاعدية في بعض البلدان العربية، يعود أساسا إلى عدة نقائص منها: - قلة حظائر مكوث المركبات: في بعض الأحياء و انعدامها في البعض الآخر، و لاسيما قرب الأسواق و الأحياء التجارية و غيرها من المرافق و المؤسسات التي تستقطب كثيرا من الرواد. ما يدفع أصحاب المركبات إلى أن يجوبوا الشوارع أو يوقفوا سياراتهم في أماكن غير ملائمة و بكيفية تعرقل حركة المرور. - كثرة التقاطعات: إن كثرة تقاطعات الطرق يتسبب في اختناق حركة المرور، و هذا ما تعاني منه جل المدن العربية، لاسيما القديمة منها، فهي تفتقر إلى الجسور و المحولات و الأنفاق التي تفك الخناق و تساعد على سيولة الحركة. - قلة الملتقيات الدائرية: إن قلة هذا النوع من الملتقيات، بل ندرته في بعض المدن، يزيد من حدة الازدحام، فالتجربة أثبتت أن هذه الطريقة تساعد على سيولة المرور داخل المدن، و فرض تخفيض السرعة بمداخلها، بشرط أن يكون تصميمها وفق المقاييس العالمية، و أن تكون أسبقية المرور فيها للمركبات السائرة داخل المدار، و أن يؤخذ هذا المبدأ في جميع هذا النوع من الملتقيات. فعدم التقيد بالمقاييس العالمية، و عدم توحيد مبدأ الأسبقية تنجر عنه سلبيات كثيرة. و هذه السلبيات ما زالت موجودة في بعض الملتقيات بمدننا، الأمر الذي يؤدي إلى ارتباك السواق و ترددهم و إحجامهم عند الاقتراب من هذه الملتقيات مما يجعل دورها عكسيا. - قلة الأطواق و المحاور: يعمد في تخطيط المدن الحديثة إلى إنشاء أطواق حول الحواضر الكبرى، و هي عبارة عن طرق مزدوجة متعددة المسالك تحيط بالمدينة، و تربطها بالمركز عدة طرق محورية فسيحة تسمح بدخول المركبات و خروجها بسهولة تضمن سيولة الحركة. و هذا ما ينقص كثيرا من مدننا، و إن وجدت هذه الأطواق و المحاور، فغالبا ما تكون قليلة و غير مهيأة تهيئة ملائمة. - قلة المسالك و الممرات المحمية المخصصة للمشاة: يفتقر الكثير من مدننا إلى شوارع مخصصة للمشاة، و إلى أرصفة فسيحة تستوعب كل المشاة، فمعظم الأرصفة ضيقة، و جزء منها غالبا ما يحتله التجار لعرض بضائعهم أو نشر طاولات المقاهي و المطاعم، ما يدفع الراجلين إلى السير في قارعة الطريق و مزاحمة المركبات. كما أن ندرة الممرات المحمية المخصصة للمشاة تدفعهم إلى قطع الطريق بكيفية عشوائية، مما يجعلهم، زيادة على تعريض أنفسهم إلى أخطار الحوادث، يعرقلون حركة المرور و يزيدونها اختناقا. 3- نقص في تنظيم المرور: تعد عملية تنظيم المرور في المدن ركيزة أساسية في التقليل من الازدحام، و هي ترتكز على عدة أسس، أهمها: - مخططات المرور: كثير من المدن العربية ليس لها مخططات مرور حديثـة، و إن وجدت فهي غيـر محينة، و هـذا ما يؤثر سلبا على حركة المرور. - مراكز ضبط المرور: جل المدن الكبرى في العالم الغربي مزودة بمراكز لضبط المرور داخلها، و هي هيئات مجهزة بتجهيزات متطورة للتمكن من مراقبة حركة المرور، و توجيهها و توزيع المركبات على الشوارع، وفق أنظمة حديثة، لتفادي تمركزها في بعض الطرق دون الأخرى، و كذا التدخل في الوقت المناسب لإزالة أي عائق بسبب وقوع حادث أو عطب لمركبة و غيرها. و انعدام مثل هذه المراكز، أو عدم تطويرها أو قلة التحكم فيها، يساهم في كثرة الازدحام بمدننا العربية. - تجهيزات مراقبة المرور و ضبطه: إن بعض البلدان العربية لا تزال تستعمل أجهزة قديمة لمراقبة المرور و ضبطه، من ذلك قلة الكاميرات أو انعدامها، قلة السيارات و الدراجات و انعدام الطائرات. و قلة الأعوان المكلفين بتنظيم المرور، بالإضافة إلى النقائص الموجودة في منظومة الإشارات على إختلاف أنواعها (العمودية و الأفقية و الصوتية). 4- إنعدام محطات الربط (الوصل): تقام محطات الربط على مشارف الحواضر الكبرى، و تجهز بالمرافق الضرورية، مثل حظائر المكوث الفسيحة و المحروسة و المطاعم و المقاهي و متاجر أخرى تلبي حاجيات المسافرين، و توصل هذه المحطات بمراكز المدن بعدة خطوط و أنماط من وسائل النقل: حافلات حضرية، ترامواي، ميترو، سيارات أجرة. هذه المحطات تخفف الضغط على المدن، لأن وسائل النقل الداخلية (النقل بين المدن) على اختلاف أنماطها تتوقف في هذه المحطات، و منها يمتطي المسافرون وسائل النقل المعدة لذلك. و ندرة هذا النوع من المحطات، و انعدامها في كثير من المدن العربية، يضطر وسائل النقل الآتية من الضواحي و غيرها من القرى و المدن، لاسيما السيارات الخاصة، إلى الدخول إلى مراكز المدينة، فتسبب ازدحاما، بل شبه انسداد في حركة المرور، و خاصة في أوقات الذروة. 5- عجز في النقل الجماعي: النقل الجماعي، أو النقل المشتـرك للأشخاص، هو توفير مركبات مهيأة و مصممة لاستقبال الأشخاص و التكفل بنقلهم من مكان إلى آخر، بمقابل يتمثل، عادة، في شراء تذكرة أو بطاقة إشتراك، وذلك عبر مسالك معينة، و في أوقات محددة. إن أول نوع من النقل الجماعي عرف في القرون الوسطى، و المتمثل في قوارب و النقل عبر الأنهار، ثم ظهرت وسائل النقل الأخرى مثل السكك الحديدية و الترامواي و الحافلات، ليبقى النقل عبر الأنهار محصورا في مجال السياحة. و يضطلع النقل الجماعي بدور فعال في التخفيف من حدّة الازدحام بالمدن، شريطة توفره على عدة شروط، منها: تنـويع أنماطـه: إن تنويع أنماط النقل الجماعي، و عدم الإكتفاء بنمط واحد أو اثنين فقط، يساعد على تفعيل دوره في التخفيف من الإكتظاظ داخل المدن، و يعمل على زيادة سيولة حركة المرور عبر طرقها وشوارعها. و من الأنماط الأكثر إستعمالا عبر الحواضر الكبرى بالعالم ما يلي: - الحافلات الحضرية (Auto bus): و هي مركبة مصممة لنقل الأشخاص داخل المناطق الحضرية تسير بسرعة منخفضة نسبيا (لا تزيد عن 50 كلم/سا). عبر مسالك تتخللها مواقف متقاربة، مزودة بتجهيزات داخلية خاصة تتيح للركاب التحرك داخلها بحرية و سهولة، و لا تحتوي إلا على عدد قليل من المقاعد، لتسع عددا أكبر من الركاب الواقفين. و لها أبواب عديدة لتسهيل عملية الركوب و النزول في فترة وجيزة. - التـرامواي: و هو وسيلة ملائمة للنقل الجماعي في الحواضر الكبرى، حيث أثبت نجاعته، و هو يكمل الوسائل و الأنماط الأخرى. و سرعته متوسطة ، تفوق سرعة الحافلة الحضرية، و تقل عن سرعة الميترو، له من المواصفات التقنية ما يجعله يحتل المرتبة الثانية بعد الميترو، من حيث السلامة و الأمان، و هذا ما حدا بالكثير من البلدان إلى إستعماله بكثرة في الحواضر الكبرى، و على سبيل المثال فإن الجزائر خططت لإنشاء عدة خطوط بالمدن الكبرى مثل الجزائر و قسنطينة و وهران، وهذه المشاريع في طور الإنجاز، في إطار مخططات التخفيف من حدة الازدحام الذي تعاني منه هذه المدن. - الميـتـرو: ظهر أول مرة و إستعمل للنقل الجماعي بالعاصمة البريطانية لندن العام 1863، و في نيويورك العام 1868، و في باريس العام 1900، و في العالم العربي أستعمل أول مرة بمدينة القاهرة، ثمّ منذ سنة بمدينة دبي، و سيدشن قريبا بمدينة الجزائر. يعد الميترو أهم نمط للنقل الجماعي داخل المدن الكبرى، و يمتاز بدرجة عالية من السلامة و الأمان، و ينقل عددا أكبر من الركاب، يسير بسرعة أكبر من وسائل النقل الحضري الأخرى. و لا يشغل حيزا كبيرا لأنه يسير عبر الأنفاق (إلا نادرا). لكنه يبقى وسيلة باهظة الإنجاز، ليس في متناول كل البلدان. - سيارات الأجرة الجماعية: هي وسيلة من وسائل النقل الجماعي التي تؤدي دورا مهما و مكملا لما تقوم به الأنماط الأخرى، و يستقلها الركاب المستعجلون، و هي نوعان: حضرية و شبه حضرية. - الحافلات الهوائية (المصاعد الهوائية): هي عبارة عن مخادع تتسع لعدد قليل من الركاب (4-6)، تتحرك على حبال كهربائية. و عادة ما تستعمل للنقل الجماعي بين المرتفعات و السفوح، و هي مستعملة في عدة مدن بالجزائر مثل العاصمة و عنابة و تلمسان، و تساعد على فك الإختناق على هذه المدن. و هناك عدة مشاريع لتعزيز هذا النمط من النقل الجماعي. - الحافلات الصغيرة: تتسع لعدد متوسط من الركاب (أكثر من 9 و أقل من عدد ركاب الحافلات). و تستعمل عادة لنقل الركاب عبر مسافات متوسطة، أي ترتبط بين المدينة و ضواحيها. - القـطـار: هو من وسائل النقل الجماعي الأكثر إستيعابا لعدد كبير من الركاب، يتوفر على درجة عالية من السلامة و الأمان، و هو نوعان: قطار المسافات الطويلة. و قطار الضواحي (شبه حضري) و هو ما يهمنا في هذا البحث، إذ يربط بين ضواحي المدن الكبرى، و كذلك بين المدينة و المناطق شبه الحضرية القريبة منها، و غالبا ما يكون مجهزا بمحركات كهربائية (تحافظ على البيئة و تقلل من التلويث) و تخصص له خطوط مستقلة عن خطوط القطارات الأخرى الرابطة بين المدن. أسعـار معقـولـة: إن دراسة أسعار النقل الجماعي و تحديدها وفقا للقدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود، يعد من الشروط الأساسية لتحقيق الهدف المتوخى من هذا النوع من النقل. فزيادة على أنه يضمن لذوي الدخل الضعيف التنقل بيسر، فإنه يشجع الفئات الأخرى على ارتياد و امتطاء مركبات النقل الجماعي بدلا من السيارات الخاصة. خدمـات جيـدة: إن تحسين الخدمات يشجع الناس للإقبال على استعمال مركبات النقل الجماعي، مثل حسن المعاملة و النظافة و تهيئة المحطات و المواقف تهيئة ملائمة. توقيت مناسب و محترم: إن عملية ضبط توقيت إنطلاق مركبات النقل الجماعي و تحديد مواعيد دقيقة لمرورها على المواقف المتواجدة عبر مسارها، و كذا أوقات وصولها إلى المحطات النهائية لها. ثمّ السهر على إحترام هذا التوقيت، كل ذلك يعدّ من الشروط الأساسية لإستقطاب الركاب و إغرائهم لإستعمال وسائل النقل الجماعي، و التخلي عن استعمال سياراتهم الخاصة. تخصيص مسـالك: من التدابير التي تتخذها سلطات تسيير المرور في المدن الكبرى بالعالم، تخصيص مسالك لحافلات النقل الحضري و سيارات الأجرة، و هي عملية تضمن لهذين النمطين من النقل الجماعي سيولة في المرور، مما يجعلها تصل إلى محطاتها في الأوقات المناسبة، طبقا للتوقيت المحدد و هذا ما يشجع الركاب على تفضيل إستعمالها. و النقل الجماعي نوعان: نقل جماعي عمومي (عام) تابع للدولة، و هو أساسي في هذه العلمية، لما يتوفر عليه من إمكانات معتبرة في عدد المركبات، و لما يتميز به من التنظيم و القدرة على التحكم في تسييره و ضبط توقيته. و نوع ثان، و هو التابع للقطاع الخاص، و بالرغم من أن الخواص يساهمون في توفير وسائل النقل الجماعي، و يخففون من كثرة الطلب، إلا أن هذا النوع تشوبه عدة نقائص، منها رداءة نوعية الخدمات المقدمة للركاب، كقلة النظافة و عدم توفير الراحة للركاب، بالإضافة الى قلة الالتزام بالتوقيت و هذا ما ينفر الناس منه و يقلل من الإقبال عليه. لذلك يعتمد على النقل الجماعي العمومي بالدرجة الأولى و تسخر له كل الإمكانات الضرورية، المادية و البشرية و النظم الفعالة. أما النوع الثاني فيعتبر مكملا و مساعدا، مع الحرص على تنظيمه و مراقبته مراقبة صارمة. و جل مدننا العربية تفتقر إلى نقل جماعي متوفر على كل الشروط المذكورة، و هذا ما جعله عاجزا عن استقطاب الركاب و استيعابهم، ما يدفع بهم إلى اللجوء إلى استعمال مركباتهم الخاصة، مما يزيد من حدّة الازدحام إلى درجة الاختناق في أوقات الذروة. 6- نزوح السكان نحو المدن الكبرى: عرفت المدن الكبرى في العالم العربي توافدا كبيرا للسكان، حيث نزحوا إليها لأسباب عديدة أهمهما: البحث عن مناصب العمل أو القيام بنشاطات تجارية نظامية و عشوائية، و التقرب من المؤسسات التربوية العلمية مثل الثانويات و الجامعات و غيرها. و هذا ما أدى إلى اكتظاظ المدن بالسكان و عدم استيعابها لتلك الأعداد الكبيرة من الأشخاص، مما زاد من حجم التنقلات داخل المدن و بالتالي الزيادة في حدة الاكتظاظ. ثالثا: آثـار الإزدحام: إن للازدحـام آثـارا سلبـيـة عدـيدة، منـها: 1- الإضرار بالصحة العامة للسكان: يسبب الاكتظاظ في حركة المرور قلقا حادا في نفوس ركاب المركبات، عامة، و السواق خاصة، فقضاء أوقات طويلة داخل السيارات لا تكاد تتحرك أمر صعب يؤثر تأثيرا كبيرا على الأعصاب، و تكرار مثل هذه الحالات يوميا يسبب أمراضا عديدة مثل أمراض القلب و الأعصاب و غيرها. 2- التأثير على السلامة المرورية: إن القلق و التوتر العصبي اللذين يسببهما الازدحام المروري غالبا ما يدفع السائق إلى ارتكاب مخالفات خطيرة تؤدي إلى وقوع حوادث مرور مأساوية؛ حيث يحاول مثلا تجاوز المركبات الموجودة أمامه بكيفية غير سليمة، أو يسعى إلى تدارك الوقت الذي ضيعه في الاكتظاظ، فيستغل أية فرصة في انخفاض حدة الازدحام للإفراط في السرعة، متجاهلا كل الضوابط، ضاربا عرض الحائط كل قواعد السلامة. و قد أثبتت دراسات ميدانية أن ظاهرة الازدحام تضاعف من إحتمال وقوع الحوادث. على سبيل المثال: انخفض عدد حوادث المرور بمدينة البويرة الواقعة شرق-الجزائر العاصمة، خلال الفصل الأول من هذه السنة بنسبة 34%، و هذا بعد فتح شطر من الطريق السيار الذي سيربط شرق البلاد بغربها، حيث زالت ظاهرة ازدحام المرور التي كانت تعاني منها المدينة بفعل مرور الطريق الرابط بين الشرق و الغرب و غيرها. 3- تعطيـل المصـالـح: إن قضاء ساعات في الطرق بسبب اكتظاظ المرور ينال الكثير من جهد الفرد، فزيادة على التأخر في الوصول إلى مكان العمل، فإنه يفقد قسطا معتبرا من طاقته، فيبدأ نشاطه منهكا متعبا، و في حالة نفسية متوترة، و هذا ما يؤثر تأثيرا سلبيا علـى مـردوده، و علـى علاقته بزملائه، أو برؤسائه و مرؤوسيه. كما تتسبب هذه الظاهرة في تعطيل مصالح الناس نتيجة ضياع الوقت و التأخر عن المواعيد و غيرها. 4- تلـويـث البيـئـة: إن الازدحام في المرور يحتم سير المركبات ببطء حينا، و التوقف عن السير أحيانا، و هذا ما يجعلها تقضي وقتا أطول و محركاتها مشغلة فتستهلك كمية أكبر من الوقود تزيد من نفث غازات سامة تلوث الجو. تشير دراسات إلى أن المركبات في الولايات المتحدة تستهلك 8.7 مليار لتر من الوقود، فتنفث 20 مليون طن من الفحم، خلال فترات الازدحام المروري، و هو يعادل ثلث ما تنفثه السيارات الخاصة بأوروبا سنويا. و لم أعثر على دراسات تقدر كمية الغازات التي تنفثها المركبات بالمدن العربية خلال فترات الازدحام المروري، و لكن قياسا على ما قدر بالمدن الغربية، فإن ما يتصاعد من غازات سامة في أجواء مدننا يشكل خطورة على الصحة العامة للمواطن العربي. أكد الدكتور حسان عبد الكريم، في تصريح أدلى به إلى جريدة الصباح العراقية، أن الازدحام المروري يتسبب في تلويث الجو، و هو يسبب عدة أمراض تصيب الجهاز التنفسي كالإلتهاب الرئوي المزمن، و الربو، و كذلك أمراض الجلد و الحساسية 5- الخسـائـر المـاديـة: يتسبب الازدحام المروري في إلحاق خسائر مادية معتبرة بالأفراد و المجتمعات؛ إن ضياع ساعات يوميا في الاكتظاظ يقلل من فترات العمل و الإنتاج، و هو ما يؤثر سلبا على دخـل الفرد و المـؤسسات و الشركات، و بالتالي يمس باقتصاديات البلدان لما يشكله من نزيف خطير. - الازدحام المروري يزيد من فترات سير المركبات و مدة تشغيل محركاتها و هو ما يتطلب كمية أكبر من الوقود، و يقصر من مدة صلاحيات قطع الغيار و المحركات، و هذا ما يفرض زيادة معتبرة في قيمة المبالغ المخصصة لشراء الوقود و نفقات الصيانة. - يتسبب التلوث، المذكور آنفا، في الإصابة بأمراض عديدة تتطلب تكفلا صحيا يكلف أمولا باهظة للأفراد و الحكومات، لاسيما أمراض القلب و التنفس، و التي تتطلب أحيانا إجراء عمليات دقيقة خارج البلاد، و قد يصاب المريض بعجز مؤقت أو دائم يؤثر على دخله، أو يلزم مستخدمه الإنفاق عليه زيادة على المعاناة النفسية و الآثار الإجتماعية المنجرة عن تلك الأمراض. 1. جريدة الصباح رابـعـا: خـاتـمـة: أضحت ظاهرة الازدحام المروري هاجسا يؤرق سكان الحواضر الكبرى فـي العالـم عامـة، و في العالـم العربي خاصة. و هي من ضمن السلبيات التي أفرزها اتساع المدن و تكاثر سكانها، و انتشار العديد من المرافق في ثناياها. و من أبرز الأسباب التي أدت إلى زيادة حدة الاكتظاظ عبر المدن الكبرى، الازدهار الذي شهده اقتصاد بعض البلدان، فكان ارتفاع دخل الفرد دافعا إلى اقتناء السيارات الخاصة و الاعتماد عليها في التنقل بل هناك أسر تمتلك أكثر من سيارة واحدة، و كل فرد منها يتنقل فرديا بسيارته. كما تطلب الانتعاش الاقتصادي زيادة في استعمال المركبات لأغراض عدة. و هذا ما سبب اختلالا بيّنا بين حجم حظيرة المركبات و بين المنشآت القاعدية التي لم تساير وتيرة تزايد عدد السيارات، فأصبحت غير قادرة على استيعاب هذا الكم الهائل من المركبات على إختلاف أصنافها. وزاد من تفاقم هذه الظاهرة نقص تنظيم المرور، وقلة حظائر المكوث، و نقص الاهتمام بتطوير النقل الجماعي، و عدم تنويع أنماطه لاستقطاب المتنقلين، و انعدام محطات الربط بمداخل المدن لإيقاف زحف المركبات الواردة من المدن الأخرى. يضاف إلى ذلك تواجد الموانئ و المطارات داخل المدن أو قربها. و لظاهرة اكتظاظ حركة المرور بالمدن آثار سلبية عديدة، إذ تمس بالصحة العامة للسكان بما تسببه من أمراض القلب و الأعصاب و جهاز التنفس و الحساسية، بفعل ما تخلفه من تلوث للبيئة و ما تثيره من توتر عصبي و قلق في نفوس المتنقلين، و بخاصة سواق المركبات. كما تلحق خسائر مادية نتيجة لإضاعة الوقت و إهدار للطاقة، بالإضافة إلى ما تشكله من أخطار على أرواح الركاب و سلامتهم، حيث أثبتت الدراسات أن عدد الحوادث يتزايد بإطراد مع تزايد حدة الازدحام المروري. لذا يجب إيلاء الاهتمام لهذه الظاهرة السلبية، لتشخيص شتى أسبابها و عواملها، و العمل على رسم خطط للتخفيف من حدتها و التقليل من آثارها الوخيمة. المراجع باللّغة الأجنبية - Emmanuel perrin, cete de lyon, jean-marie.- Guidez-certu les politoques de deplacements au cœur du système urbain 18/09/2007. - Plan de placements urbains, rapport de diagnostic, 09/2008, la mobilité douce. -La place de la sécurité routier dans les plans de deplacements urbains. Rapport de convention inrets/DSC R. - Piere-merlin. Transports urbains. Quesais-je presse universitaire de France 1992. - Dossier de presse de " securité et accidententologie tramway".2007 المراجع باللّغة العربية - أ.د عامر بن ناصر المطير. حوادث المرور في الوطن العربي حجمها و تقدير تكاليفها الإقتصادية- جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية الرياض 2006. - الدراسة الإحصائية لحوادث المرور خلال الفصل الأول- المركز الوطني للوقاية و الأمن عبر الطرق- الجزائر 2010. - مجلة الوقاية و السياقة- المركز الوطني للوقاية و الأمن عبر الطرق العدد 05. - مجلة الوقاية و السياقة- المركز الوطني للوقاية و الأمن عبر الطرق العدد 07. - المواد العلمية لندوة التجارب العربية و الدولية في تنظيم المرور- مركز الدراسات جامعـة نايـف العربيـة للعلـوم الأمنيـة – نـدوة الجزائـر العاصمـة من 01 إلى 03 جوان 2009. المـواقـع http:// wikipedia.org/wiki/embouteillage. www. Alsabah.com. http:// www.alegt.com http:// www.flaw.net. http:// wikipedoi.org/wiki/transport public - الازدحام المروري في المدن: ما الحل ....؟. - د. عدنـان بـن عبد اللـه الشيـخة. - "تطبيق الإدارة المرورية المتقدمة بفك الاختناقات في المدن الكبرى" في الموقع www.abiyadh.com - دراسات النقـل و المـرور في الموقع http://www.mpd.govisa